صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
367
الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية ( المقدمة العربية )
ولكل منها لوازم وكماله في أن ينتقل من حد الطبع إلى حد العقل ليكون أحد سكان الحضرة الإلهية وذلك إذا تنور باطنه بالعلم وتجرد عن الدنيا بالعمل وكما أن طبقات العالم الكبير كلها بحيث يجمعها رباط واحد بعضها يتصل ببعض كسلسلة واحدة يتحرك أولها بتحرك آخرها بأن يتنازل ويتصاعد الآثار والهيئات من العالي إلى السافل ومن السافل إلى العالي على وجه يعلمه الراسخون في العلم . فكذلك هيئات النفس والبدن يتصاعد ويتنازل من أحدهما إلى الآخر فكل منهما ينفعل عن صاحبه فكل صفة جسمانية أو صورة حسية صعدت إلى عالم النفوس صارت هيئة نفسانية وكل خلق أو هيئة نفسانية نزلت إلى البدن حصل له انفعال يناسبه واعتبر بصفة الغضب كيف يوجب ظهورها في البدن إحمرار وجهه وحرارته وبصفة الخوف كيف يؤثر في اصفراره . وكذا الفكر في المعارف الإلهية وسماع آية من صحائف الملكوت كيف يوجب اقشعرار البدن ووقوف أشعاره واضطراب جوارحه وانظر كيف ينقلب صورة المحسوس الجزئي معقولة كلية إذا انتقل من آلة الحس إلى القوة العاقلة وكان مشهودا في عالم الشهادة فصار غائبا عن هذا العالم وعن الأبصار حاضرا بين يدي بصيرة العقل والاعتبار . فإذا تقرر عندك هذا الأمر فاعلم أن الغرض من وضع النواميس وإيجاب الطاعات هو استخدام الغيب للشهادة وخدمة الشهوات للعقول وإرجاع الجزء إلى الكل وسياقة الدنيا إلى الآخرة وتصيير المحسوس معقولا والحث عليه والزجر على عكس هذه الأمور لئلا يلزم الظلم والوبال ووخامة العاقبة وسوء المآل كما قال بعض الحكماء إذا قام العدل خدمت الشهوات للعقول وإذا قام الجور خدمت العقول للشهوات .